محمد بن الطيب الباقلاني

60

إعجاز القرآن

ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه ، ولكانت الطباع تدعو إلى المعارضة ، لان السجع غير ممتنع عليهم ، بل هو عادتهم ، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة ، وهو غير خارج عنها ولا متميز ( 1 ) منها ؟ وقد يتفق في الشعر كلام [ متزن ] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم . وذلك نحو قول البحتري : تشكي الوجى ، والليل ملتبس الدجا * غريرية الأنساب مرت بقيعها ( 2 ) وقوله ( 3 ) : قريب المدى ، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى ، حتى تكون معالى ( 4 ) ورأيت بعضهم يرتكب هذا ، فيزعم ( 5 ) أنه سجع مداخل ! ونظيره من القرآن قوله تعالى : ( ثم يوم القيامة يخزيهم ، ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) ( 6 ) . وقوله : ( أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) ( 7 ) . وقوله : ( أحب إليكم من الله ورسوله ، وجهاد في / سبيله ) ( 8 ) . وقوله : ( والتوراة والإنجيل ، ورسولا إلى بني إسرائيل ) ( 9 ) . وقوله : ( إني وهن العظم منى ) ( 10 ) . ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير ، حتى سماه بعضهم سحرا ، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه . وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه ، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم ، المألوفة لديهم . والذي تكلمنا به في هذا ( 11 ) الفصل كلام على جملة دون التفصيل .

--> ( 1 ) س : " مميز " ( 2 ) ديوانه 1 - 5 والوجى : أن يشتكي البعير باطن خفه . الغرير : فحل من الإبل ، والإبل الغريرية : منسوبة إليه . ومكان مرت : قفر لا نبات فيه . والبقيع من الأرض : المكان المتسع فيه أروم شجر من ضروب شتى . وفى س : " نقيعها " ( 3 ) ديوانه 2 / 785 يمدح به محمد بن عمر . ( 4 ) س ، م " يكون " وفى م بعد البيت : " وقوله غريرية الأنساب مرت بقيعها ، ورأيت " إلخ ( 5 ) م : " حتى يزعم " ( 6 ) سورة النحل ، 27 ( 7 ) سورة الإسراء : 16 ( 8 ) سورة التوبة : 24 ( 9 ) سورة آل عمران : 48 - 49 ( 10 ) سورة مريم : 4 ( 11 ) م : " على هذا "